ابو القاسم عبد الكريم القشيري
91
لطائف الإشارات
ويقال إن موسى - صلوات اللّه عليه - سلّم أمته إلى أخيه فقال : اخلفني في قومي ، وحين رجع وجدهم وقعوا في الفتنة ، ونبيّنا - صلوات اللّه عليه - توكّل على اللّه فلم يشر على أحد في أمر الأمة وكان يقول في آخر حاله : الرفيق الأعلى . فانظر كيف تولّى الحق رعاية أمته في حفظ التوحيد عليهم . لعمري يضيّعون حدودهم ولكن لا ينقضون « 1 » توحيدهم . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 52 ] ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 52 ) سرعة العفو على عظيم الجرم تدل على حقارة قدر المعفو عنه ، يشهد لذلك قوله تعالى ( مخاطبا أمهات المسلمين ) : « مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ » ، هؤلاء بنو إسرائيل عبدوا العجل فقال اللّه تعالى : « ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ » ، وقال لهذه الأمة ( يقصد أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ) : « وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ » قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 53 ] وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 53 ) فرقان هذه الأمة الذي اختصّوا به نور في قلوبهم ، به يفرّقون بين الحق والباطل ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لوابصة : « استفت قلبك » « 2 » . وقال : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه » « 3 » . وقال اللّه تعالى : « إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً » وذلك الفرقان ميراث ما قدّموه من الإحسان . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 54 ] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 54 ) أي ما أضررتم إلا بأنفسكم فيما ارتكبتم من ذنوبكم ، فأمّا الحق سبحانه فعزيز الوصف ، لا يعود إلى عزّه من ظلم الظالمين شئ ، ومن وافق هواه واتّبع مناه فعجله ما علّق به همّه ، وأفرد له قصده .
--> ( 1 ) وردت ( ينقصون ) بالصاد والأقوى أن تكون بالضاد لأن المقصود هو تمسك أمة محمد ( ص ) بعدم ( نقض ) التوحيد . ( 2 ) هكذا رواه أحمد في مسنده والبخاري في تاريخه والدارمي في سننه وحسنه النووي في رياض الصالحين بلفظ « استفت نفسك وإن أفتاك المفتون » . ( 3 ) الترمذي والطبراني من حديث أبي أمامة والترمذي من حديث أبي سعد والطبراني وأبو نعيم عن انس